Bengali Bulgarian Catalan English German Hungarian Portuguese Serbian Spanish Swahili Vietnamese
********
فلسفة حقوق الحيوان
توم ريغان (Tom Regan)
تقديم(David Sztybel)
لقد
كنت ناشطًا نباتيًا صرفًا في مجال حقوق الحيوان منذ نحو سبعة وثلاثين عامًا. وقد
حالفني الحظّ في أن تعليمي الجامعي تضمَّن دراسةً لأعمال توم ريغان. وقد تناولت
هذه الأعمال بالدراسة المعمَّقة في جامعة تورنتو ضمن أطروحتي للدكتوراه بعنوان
"التعاطف والعقلانية في الأخلاق" (Empathy and Rationality in
Ethics). وقد أُتيح لي شرف حضور محاضرات الأُستاذ ريغان
في مؤتمرات عديدة. وكما كان حال كتاباته، كنت أخرج في كلّ مرّة بإحساس لا يقبل
الشك بأنّني أتلمَّذ على يدي مفكّر عظيم حقًا. وهذا الأسلوب الكتابي الرفيع الذي
يتجلّى في هذا الكتيِّب نجده يزدهر ويتألق في كتبه الفلسفية الكثيرة، وأبرزها
وأرسخها الكتاب الكلاسيكي الحجة من أجل حقوق الحيوان (The
Case for Animal Rights). وأنا أُجلُّ أعماله
وأُقدِّرها، لكنني أُساءلها أيضًا، في التقليد الفلسفي الكلاسيكي العريق.
ويعمل
هذا الكتاب الأخير في إطار تقليد الحقوق الفردية، غير أنه يكسر العادة الثقافية
القديمة التي كانت تقصر الاعتبار الجدي للحقوق على البشر وحدهم. ومع ذلك، فأي شخص
يأخذ الحيوانات بجدية لن يعجز عن أن يجد عمقًا حقيقيًا في أفكار ريغان المتعلقة
بالحقوق الفردية الواردة في هذا الكتيِّب. فريغان يؤكد أنّ حياة الحيوانات ذات
أهمية بالغة بالنسبة إليها، بصرف النظر عن قيمتها الاستخدامية بالنسبة للبشر. ونحن
نُخبَر بأن الحيوانات تمتلك قيمةً مستقلة، وأنها ليست مجرد أدوات أو موارد. فما
يحدث للحيوانات يعنيها، كما يُلاحظ الدكتور ريغان. علاوةً على ذلك، فإنّ كل حيوان
يمتلك على قدم المساواة حياةً يمكن أن تسير نحو الأفضل أو نحو الأسوأ بالنسبة
إليه، ومن ثَمَّ يستحق حقوقًا متساوية. لذا يقترح ريغان أن نُوسِّع نطاق مبادئ
العدالة لتشمل الحيوانات، ونمنحها الحق الأساسي في الاحترام الذي تنبثق منه سائر
الحقوق. ولا يزال هذا التركيز على الحقوق الفردية ذا طابع مرحلي عظيم الأثر، لم
تُنقِص منه شيئًا حالة الازدراء حتى بحقوق الإنسان التي باتت تتنامى يومًا بعد يوم
في الشأن العالمي.
وإلى
جانب دفاع ريغان الذي لا يُنسى والقوي عن الحقوق الفردية للحيوانات، يتضمن كتيِّبه
ما أسميه "الأصداء." وهي أفكار وموضوعات تتردّد أصداؤها في نفوس كل من
يأخذون الحقوق والاحترام بجدية. وهي النقاط التي يُركِّز عليها ريغان والتي يمكن
القول إنّ صداها ينبغي أن يتردّد بثقل في وجدان الجميع. فالمرأة لم تُخلق لتخدم
الرجل، ولا الأسود ليخدم الأبيض، ولا الحيوانات كذلك. ولا يرضى أصحاب المبادئ عن
"التمييز التعسفي" والتحيزات الظالمة والأنانية. وهذه الأوتار تُحرِّك
المشاعر المشتركة لدى كل أولئك الذين يدركون في هذه الأيام العصيبة، عقب رحيل
ريغان عام ٢٠١٧، أنّه لا يحق لنا التخلي عن الحقوق. فحين يقسو العالم، يجب أن يشتد
عزمنا الأخلاقي. ولا شك أن الدكتور ريغان كان سيوافق على ذلك.
ومع
ذلك، فحين نكتب كتيِّبًا يحمل عنوان "فلسفة حقوق الحيوان"، لا يعني ذلك
أننا نُسلِّم بأن عمل ريغان قد بلغ الكمال وأنه صالح بكل الوجوه لكل الأوقات. فثمة
أسئلة أخلاقية جوهرية لا تزال قائمة. فريغان لم يكن ليوقِّع على قانون رفاه
الحيوان السويدي لعام ١٩٨٨، الذي حاول إحداث اختراقات مهمة ضد تربية الخنازير في
المزارع الصناعية ضمن إصلاحات أخرى. وكانت الخنازير الأمهات قد كفَّت أصلًا عن
حبسها قسرًا للإرضاع. لكن بموجب القانون الجديد، باتت الخنازير عمومًا مُلزَمة بأن
تمتلك حرية الحركة بدلًا من حبسها في أقفاص ضيقة، وأن يُتاح لها الحصول على القش
وغيره من الفرش، وأن تُطبَّق في تربيتها نظام الإسكان الجماعي لإنهاء عزل هذه
الحيوانات شديدة الاجتماعية، فضلًا عن حظر قطع ذيول الخنازير وأسنانها وإن ظلت
ممارسات الإخصاء قائمة. ومع ذلك، فقد أزالت هذه الإجراءات معاناة جسيمة. والجدير
بالذكر أن السويد لم تحظر جميع أشكال الزراعة الصناعية. فهل كان يجب ألا تُعالَج
المعاناة والوفيات المحددة للحيوانات في السويد في ذلك الوقت وبتلك الطريقة، حتى
في ظل القصور الحقيقي في مشروع القانون؟ وبوجه عام، تموت الحيوانات بأعداد أكبر
بكثير في الزراعة المكثفة، إذ تصل معدلات الوفيات بسهولة إلى ١٥٪ مع الحفاظ في
الوقت ذاته على تعظيم الأرباح. وقد نظل عازمين على إرساء حقوق الحيوان حين يكون
العالم جاهزًا أخيرًا لمثل هذا الواقع. وهو أمر عظيم بالنسبة لـ"الحيوانات
الداخلة" المحظوظة حين تزدهر في ظل حماية المُثُل النبيلة لحقوق الحيوان في
بيوت الناشطين والملاجئ. غير أن الأمر فظيع حين تعاني "الحيوانات
الخارجة" المنكودة الحظ ظلمًا من فظائع الزراعة الصناعية المطلقة.
يكتب
ريغان عن أهمية الرحمة والتعاطف والإحساس بمعاناة الآخرين في هذا الكتيِّب. لكن
كتاب الحجة من أجل حقوق الحيوان (The
Case for Animal Rights) يعكس أكثر الجملة التالية
الواردة أيضًا في الكتيِّب نفسه: "لا تطالب فلسفة حقوق الحيوان إلا باحترام
المنطق." فريغان لا يُشدِّد على الاكتراث في كتابه الرئيسي، كما تعترض كثيرات
من النّسويّات. والآن قد يتّفق شخص ما بسهولة على أنّ ريغان متسق تمامًا من
الناحية المنطقية، في حين يفشل هذا الشخص ذاته في الاكتراث كثيرًا بالحيوانات.
وهذا من شأنه أن يترك الحيوانات بلا شيء يكاد يُفيدها. ومع ذلك، فإن الاكتراث له
هو الآخر مخاوفه في الأخلاق. فإذا عكست عاطفيًا شخصًا ما، وهو موضوع شائع في أخلاقيات
الرعاية، فما قيمة ذلك إذا كان هذا الشخص فاسدًا أو قاسيًا؟ فالأفكار المنطقية
البحتة والمشاعر العطوفة البحتة كلتاهما تُفضيان إلى مشكلات أخلاقية. فهل يمكننا
تحقيق ما هو أفضل في فلسفة واحدة متماسكة؟
وأي
"حيوانات" تُحتسب في حقوق الحيوان؟ يستحق ريغان كثيرًا من الثناء في هذا
الشأن. فريغان حكيم في مناصرته لحقوق الكلاب دون حقوق الأميبا. غير أن ألم
الحلازين ينبغي أيضًا أن يُؤخذ في الحسبان، كما يُلمح بحرص. وفي كتابه يبذل جهدًا
بالغًا لتبرير موقفه من الحيوانات التي تُحتسب أخلاقيًا، أي "أصحاب حياة" (subjects of a life) كما
يسميها، وإن ظلت أسئلة مهمة قائمة. ومع ذلك، فمن المسلَّمات في الفلسفة أن ثمة
دائمًا أسئلة مهمة ينبغي طرحها والتأمل فيها. فلنمضِ إذن في الاستفسار، مستهدين
بما يُشابه "مبدأ الاحترام" (respect principle) لدى
ريغان، كما صاغه بدقة في كتاب الحجة من أجل حقوق الحيوان (The Case for Animal Rights)...
د.
ديفيد ستيبيل (Dr. David Sztybel)
مابيرلي،
أونتاريو، كندا
كانون
الثّاني ٢٠٢٦
تقديم (Marly Winckler)
نصُّ فلسفة حقوق الحيوان (The Philosophy of Animal Rights) لتوم ريغان، الذي نُشر لأول مرة عام
١٩٨٩، يُنظِّم ويُرسِّخ، بلغة أكثر يسرًا وسهولة، الأطروحةَ التي طوَّرها في الأصل
في كتابه الحجة من أجل حقوق الحيوان (The Case for Animal Rights، ١٩٨٣)،
وهو واحد من أكثر صياغات أخلاقيات حقوق الحيوان دقةً وتماسكًا وعمقًا. ويندرج عمل
ريغان في سياق نقاش راسخ ومتجذِّر، شكَّل فيه صدور كتاب تحرير الحيوان (Animal Liberation) لبيتر سينغر عام ١٩٧٥ منعطفًا حاسمًا.
ومن ثَمَّ، فإن كتاب الحجة من أجل حقوق الحيوان وما جاء بعده من تلخيص له،
ظهرا في سياق كانت فيه قدرة الحيوان على الإحساس، وإشكالية المعاناة، ونقد التمييز
على أساس النوع، قد رسَّخت حضورها بالفعل في الحقل الفلسفي.
ويذهب ريغان خطوةً أبعد، إذ يُصيغ
نظريةً لحقوق الحيوان تقوم على مفهوم القيمة الذاتية وفكرة "أصحاب حياة" (subjects-of-a-life). وهذه الصياغة لا تقتصر على انتقاد
ممارسات بعينها تتسم بالقسوة الشديدة، بل تطعن في الشرعية الأخلاقية لاستغلال
الحيوانات في حد ذاتها، رافضةً أي معاملة تُختزل فيها هذه الكائنات إلى مجرد وسيلة
لتحقيق غايات إنسانية.
غير أنه، وبعد أكثر من ثلاثة عقود على
نشر هذا النص، وخمسين عامًا على صدور تحرير الحيوان (Animal Liberation)، نجد أنفسنا أمام تناقض تاريخي مُقلِق: لم
يشهد مجال أخلاقيات الحيوان قط ثراءً معرفيًا علميًا وفلسفيًا كالذي نشهده اليوم،
وفي الوقت ذاته لم يبلغ استغلال الحيوانات على النطاق الصناعي مداه الذي بلغه في
عصرنا هذا. فالوضوح النظري تقدَّم تقدمًا مذهلًا، إلا أن الوعي الاجتماعي والبُنى
السياسية لا يزالان يتخلَّفان تخلفًا كبيرًا عن هذا التقدم.
فمنذ سبعينيات القرن الماضي، أرست
الحجج الرصينة بشكل لا يقبل الجدل حقيقة قدرة الحيوانات على الإحساس، ودحضت
التمييز على أساس النوع، وكشفت عن التهافت الأخلاقي للأنظمة القائمة على تحويل
الكائنات الحية القادرة على الإحساس إلى أدوات. وعلى الصعيد الفكري، تزعزعت
الشرعية الأخلاقية لاستغلال الحيوانات تزعزعًا عميقًا. بيد أن هذه الثورة
المفاهيمية لم تترجَم إلى تحول هيكلي في المجتمع.
فعامة الناس، وإن باتوا أكثر وعيًا
ومعرفة، لا يزالون في معظمهم منخرطين في أنماط ثقافية وغذائية تقوم على استغلال
الحيوانات. ولا يختلف الحال كثيرًا لدى النخب السياسية والاقتصادية والفنية
والدينية، التي حافظت في معظمها على عاداتها وخطابها وتحالفاتها سليمةً دون تغيير.
فمعاناة الحيوانات باتت أكثر ظهورًا، لكنها لم تصبح أولوية؛ وأكثر شهرةً، لكنها لم
تصبح مركزية.
ويُفسَّر هذا الفجوة جزئيًا بالغياب
المستمر للتربية الأخلاقية المتعلقة بحقوق الحيوان، التي تظل نادرة بصورة لافتة
حتى في قاعات التعليم العالي. فمن النادر أن يحظى طلاب الجامعات والكليات بتعليم
منهجي وجوهري في أخلاقيات الحيوان أو الحجج القائمة على الحقوق، أما من أنهوا
تعليمهم الجامعي أو من لم يلتحقوا بالتعليم العالي أصلًا فهذه القضايا أبعد ما
تكون عن متناولهم. وخارج الأوساط الأكاديمية والنشاطية المتخصصة، تكاد الحجج
المبنية على حقوق الحيوان تغيب كليًا عن وسائل الإعلام الرئيسية والخطاب العام.
والأشد وطأةً أن هذا الفجوة تتجلى بأعنف صورها على الصعيد السياسي والمؤسسي، حيث
تخضع الهيئات التشريعية في كثير من البلدان لنفوذ مجموعات المصالح الاقتصادية
النافذة، وكثيرًا ما تقع فعليًا تحت سيطرتها، لا سيما قطاع الأعمال الزراعية
والمجمع الصناعي الزراعي. فالقطاعات التي تربط جدواها الاقتصادية ارتباطًا مباشرًا
باستغلال الحيوانات تُمارس نفوذًا حاسمًا على الانتخابات وجداول الأعمال التشريعية
والسياسات العامة، مما يُعمِّق الهوة القائمة بين الوعي الأخلاقي والتغيير الهيكلي.
وهذا الواقع يحوِّل النقاش حول حقوق
الحيوان إلى أرض شبه محظورة، تصطدم فيها المقترحات الأخلاقية صدامًا مباشرًا
بالمصالح الاقتصادية الراسخة، مما يُفضي إلى تقدم بطيء ومتقطع. حتى إن مبادرات من
قبيل "الاثنين بلا لحوم" التي تقترح تخفيض استهلاك المنتجات الحيوانية،
تتحول إلى هدف لردود فعل غير متناسبة، وذلك بالضبط بسبب طابعها الرمزي والتعليمي.
فهذه المقاومة لا يُفسِّرها التأثير العملي الفوري للمقترح، بل كونه يكسر، ولو
ليوم واحد، مع التطبيع مع الاستغلال، ويكشف عن الإمكانية الملموسة لنماذج غذائية
وثقافية بديلة.
ويكشف هذا النمط من ردود الفعل
والمقاومة عن حقيقة جوهرية: إن التقدم الأخلاقي في مجال حقوق الحيوان لا يزال
يعتمد في معظمه على نوافذ تاريخية استثنائية للفرص، أكثر من اعتماده على هياكل
عدالة دائمة. وحين تُغلق هذه النوافذ الاستثنائية، يميل التراجع أو الجمود إلى
الهيمنة. فما ينبغي أن يكون سياسةً عامةً مستمرة كثيرًا ما يتحول إلى حدث معزول،
وما ينبغي أن يكون حقًا كثيرًا ما يبقى مجرد تدبير مؤقت.
وهنا يبرز توتر لا يمكن تجنبه. فتوم
ريغان محق في تشخيصه الأخلاقي؛ غير أن التجربة التاريخية تُشير إلى أن اشتراط
تحقيق كل شيء قبل الشروع في أي عمل كثيرًا ما يُفضي إلى تقدم ضئيل أو لا يكاد
يُذكر. ويُضاف إلى ذلك ظاهرة متكررة في الحركات السياسية والأخلاقية: توجيه
الانتقادات لا إلى الخصوم الخارجيين، بل إلى المبادرات الانتقالية الصادرة من داخل
حقل حقوق الحيوان نفسه. وبدلًا من تعزيز قضية الدفاع عن الحيوانات، تميل مثل هذه
الديناميكيات إلى تشتيت حركة هشة سياسيًا أصلًا، وتحويل التقاطعات المحتملة إلى
خلافات داخلية، وإضعاف قدرة العمل الجماعي، وتضييع فرص ثمينة لبناء أرضية مشتركة
لمساعدة الحيوانات بفاعلية.
في ضوء هذا كله، يغدو السؤال لا مفرّ
منه: هل ينبغي لنا الإحجام عن العمل لمجرّد أننا لم نستطع بعد تحقيق كل شيء دفعةً
واحدة؟ في رأي ريغان، تميل الإصلاحات التدريجية إلى إطالة أمد الظلم عبر إضفاء
الشرعية على هياكل ينبغي إلغاؤها. غير أن التجربة التاريخية تُشير إلى أن تعليق
الإجراءات الفعالة القابلة للقياس والمحوِّلة سياسيًا أو تجريدها من شرعيتها، باسم
نقاء المثل الأعلى، يعني في الواقع العملي القبول بالاستمرارية الكاملة للضرر الذي
يُدَّعى التصدي له.
إن الحفاظ على إلغاء استخدام
الحيوانات واستغلالها بوصفه أفقًا معياريًا أمرٌ جوهري. لكن الخلط بين الأفق
ومتطلب فوري للعمل قد يُحوِّل التماسك الأخلاقي إلى شلل سياسي. وبين قبول الظلم
كما هو والمطالبة بإلغائه فورًا، ثمة مسارٌ وسطي. وعلى هذا المسار، الناقص المتنازَع
عليه التدريجي، يُغيِّر الناس عاداتهم، وتبدأ الطريقة التي يُنظر بها إلى
الحيوانات في التبدل. ولا يُنسب هذا المسار ظلمَ استغلال الحيوانات؛ بل يُقرُّ
فحسب بأن الحجة الأخلاقية، مهما بلغت من صحة، لا تتحول تلقائيًا إلى تغيير تاريخي.
فالتحولات من هذا النوع رهينةٌ بنضالات سياسية ملموسة. وتشويه هذا الفضاء
الانتقالي لا يُعجِّل بتحرير الحيوانات؛ بل يُطيل فحسب أمد الوضع القائم.
كل وجبة خالية من المنتجات الحيوانية
تُقدَّم في مقصف مدرسة حكومية ليست إيماءة تافهة. إنها تجربة حية تُثقِّف الذوق،
وتُطبِّع البدائل، وتُعيد تشكيل المرجعيات الثقافية، وتُوسِّع آفاق الممكن. لا
تُحلُّ محل إلغاء استغلال الحيوانات، لكنها تُهيِّئ الأرض كي يتوقف هذا الهدف عن
أن يبدو ضربًا من المستحيل. ورفض التدابير الانتقالية الفعالة باسم النقاء النظري
يعني رفض تقديم مساعدة ملموسة للحيوانات التي تعاني في الحاضر، وهو موقف لن نكاد
نتقبَّله حين يتعلق الأمر بالمظالم المرتكبة في حق البشر. وهذه الازدواجية في
المعايير تكشف عن تحيز نحو التمييز على أساس النوع، وانفصال عن الواقع الذي تعيشه
الحيوانات ذاتها.
يظل نصّ توم ريغان منارةً أخلاقية لا
غنى عنها، يُجاهر بوضوح بأن استغلال الحيوانات ظلمٌ يجب إلغاؤه لا مجرد إصلاحه.
فتشخيصه على الصعيد الأخلاقي لا لبس فيه ولا غموض؛ أما على الصعيدين التاريخي
والسياسي فوضوح المثل الأعلى لا يترجَم تلقائيًا إلى تحول اجتماعي. وبين الإقرار
بالمبدأ والتغيير الفعلي للممارسات، لا بد من بناء جسور، ولو مؤقتة وغير مكتملة.
فرفض إقامة هذه الخطوات الوسيطة باسم التماسك المطلق قد يحفظ نزاهة الخطاب
الأخلاقي، لكنه لن يُغيِّر السياسات العامة، ولن يُعدِّل الممارسات الاجتماعية،
ولن يُخفِّف من المعاناة الحقيقية العاجلة لمليارات الحيوانات.
مارلي
وينكلر
(Marly Winckler)
فلوريانوبوليس،
البرازيل
كانون
الثّاني ٢٠٢٦
--------
فلسفة حقوق الحيوان
توم ريغان (Tom Regan)
موقف حقوق
الحيوان
الحيوانات الأخرى التي يأكلها البشر
ويستخدمونها في العلوم ويصطادونها ويوقعونها في الفخاخ ويستغلونها بأساليب شتى،
تمتلك حياةً خاصة بها تحمل قيمةً بالغة الأهمية بالنسبة إليها، بمعزل عن ما
تُقدِّمه لنا من منفعة. فهي لا تقتصر على الوجود في هذا العالم، بل تدرك وجوده. ما
يحدث لها يعنيها. ولكل منها حياةٌ يمكن أن تسير نحو الأفضل أو نحو الأسوأ بالنسبة
لصاحبها.
وتتضمن تلك الحياة جملةً من
الاحتياجات البيولوجية والفردية والاجتماعية المتنوعة. وإشباع هذه الاحتياجات
مصدرٌ للبهجة، في حين أن إحباطها أو إساءة معاملتها مصدرٌ للألم. ومن هذه النواحي
الجوهرية، فإن الحيوانات غير البشرية في المختبرات والمزارع، على سبيل المثال، لا
تختلف في شيء عن البشر. ومن ثَمَّ، فإن أخلاقيات تعاملنا معها ومع بعضنا البعض
ينبغي أن تستند إلى المبادئ الأخلاقية الجوهرية ذاتها.
وفي أعمق مستوياتها، تقوم أخلاقيات
الإنسان على القيمة المستقلة للفرد؛ إذ لا ينبغي قياس القيمة الأخلاقية لأي إنسان
بمدى نفعه في تعزيز مصالح سائر البشر. ومعاملة الإنسان بأسلوب لا يُجلِّ قيمته
المستقلة تعدٍّ صريح على أكثر حقوق الإنسان أصالةً وعمقًا: حق كل شخص في أن
يُعامَل باحترام.
لا تطالب فلسفة حقوق الحيوان إلا
باحترام المنطق. فأي حجة تُفسِّر بصورة معقولة القيمة المستقلة للبشر تستلزم حتمًا
أن تتمتع الحيوانات الأخرى بهذه القيمة ذاتها، وعلى قدم المساواة. وأي حجة تُفسِّر
بصورة معقولة حق البشر في المعاملة باحترام تستلزم كذلك أن تتمتع هذه الحيوانات
الأخرى بهذا الحق ذاته، وعلى قدم المساواة أيضًا.
ومن ثَمَّ، صحيحٌ أن المرأة لم تُخلق
لتخدم الرجل، ولا الأسود لتخدم الأبيض، ولا الفقير لتخدم الغني، ولا الضعيف لتخدم
القوي. وفلسفة حقوق الحيوان لا تقبل هذه الحقائق فحسب، بل تؤكد عليها وتُبرِّرها.
غير أن هذه الفلسفة تذهب أبعد من ذلك. فبتأكيدها وتبريرها للقيمة المستقلة وحقوق
الحيوانات الأخرى، تُقدِّم أسبابًا مستندة إلى العلم ومحايدة أخلاقيًا لنفي أن
تكون هذه الحيوانات موجودةً لتخدمنا.
وما إن تُقرَّ هذه الحقيقة، حتى يسهل
فهم السبب في أن فلسفة حقوق الحيوان لا تُهادن ولا تُساوم في تصديها لكل ظلم
تُكابده الحيوانات الأخرى. ففي حالة الحيوانات المستخدمة في الأبحاث العلمية
مثلًا، ليس ما تطالب به العدالة أقفاصًا أكبر حجمًا وأنظف، بل أقفاصًا فارغة؛ وليس
"الزراعة الحيوانية التقليدية"، بل وضع حدٍّ نهائي وشامل لكل تجارة في
لحوم الحيوانات الميتة؛ وليس صيدًا وإيقاعًا في الفخاخ "أكثر إنسانيةً"،
بل استئصالًا تامًا لهذه الممارسات الهمجية.
ذلك أن الظلم المطلق لا بد أن يُقاوَم
مقاومةً مطلقة. فلم يكن ما نادت به العدالة عبوديةً "مُصلَحة"، ولا
عمالةً للأطفال "مُصلَحة"، ولا إخضاعًا "مُصلَحًا" للمرأة.
ففي كل هذه الحالات، لم يكن الإلغاء التام إلا الجواب الأخلاقي الوحيد. فإصلاح
الظلم المطلق دون إلغائه ليس سوى إطالة أمده.
وتطالب فلسفة حقوق الحيوان بالجواب
ذاته، وهو الإلغاء، ردًا على الاستغلال الظالم للحيوانات الأخرى. فليس تفاصيل
الاستغلال الظالم هي ما ينبغي تغييره، بل الاستغلال الظالم نفسه هو ما يجب إنهاؤه،
سواء في المزرعة أو المختبر أو البرية. فلسفة حقوق الحيوان لا تطلب أكثر من ذلك،
ولن تقنع بأقل منه.
١٠ أسباب لحقوق الحيوان وتفسيراتها
١
فلسفة
حقوق الحيوان عقلانية.
التفسير:
ليس من العقلانية التمييز بصورة تعسفية. والتمييز ضد الحيوانات غير البشرية تمييزٌ
تعسفي بالفعل. من الخطأ معاملة البشر الأضعف، ولا سيما أولئك الذين يفتقرون إلى
الذكاء البشري الطبيعي، على أنهم "أدوات" أو "موارد متجددة"
أو "نماذج" أو "سلع". ومن ثَمَّ، لا يمكن أن يكون صوابًا
معاملة الحيوانات الأخرى كما لو كانت "أدوات" أو "نماذج" وما
شابه ذلك، إذا كان عالمها النفسي بالغ الثراء كعالم هؤلاء البشر أو أكثر ثراءً
منه. والتفكير على خلاف ذلك ضربٌ من اللاعقلانية.
"وصف حيوان بأنه نظام فيزيائي
كيميائي بالغ التعقيد هو وصف صحيح بلا شك، غير أنه يُغفل 'حيوانية' الحيوان."
— إي. إف. شوماخر (E. F.
Schumacher)
٢
فلسفة
حقوق الحيوان علمية.
التفسير:
تحترم فلسفة حقوق الحيوان أرقى ما توصل إليه العلم بوجه عام، وعلم الأحياء التطوري
بوجه خاص. إذ يُعلِّمنا هذا الأخير، على حد تعبير داروين، أن البشر يختلفون عن
كثير من الحيوانات الأخرى "في الدرجة لا في النوع." وبصرف النظر عن
مسائل رسم الحدود، فمن الجلي أن الحيوانات المستخدمة في المختبرات، والمُربَّاة من
أجل الغذاء، والمصطادة للمتعة أو المُوقَعة في الفخاخ للربح، هي أقاربنا النفسيون.
وهذا ليس ضربًا من الخيال، بل حقيقة أثبتها أرقى ما توصل إليه العلم.
"لا يوجد فرق جوهري بين البشر
والثدييات الراقية في قدراتهم العقلية." — تشارلز داروين (Charles Darwin)
٣
فلسفة
حقوق الحيوان خالية من التحيز.
التفسير:
العنصريون هم أولئك الذين يرون أن أبناء عرقهم يتفوقون على أبناء الأعراق الأخرى،
لمجرد انتمائهم إلى عرقهم (العرق "المتفوق"). أما المتحيزون جنسيًا
فيرون أن أبناء جنسهم يتفوقون على أبناء الجنس الآخر، لمجرد انتمائهم إلى جنسهم
(الجنس "المتفوق"). وكلٌّ من العنصرية والتحيز الجنسي نموذجٌ صارخ
للتعصب الذي لا مسوِّغ له. فلا يوجد جنس أو عرق "متفوق" أو
"أدنى"، إذ إن الفوارق العرقية والجنسية فوارق [اجتماعية و] بيولوجية لا
أخلاقية.
والأمر
ذاته ينطبق على التمييز بين الأنواع، أي الرأي القائل بأن أبناء نوع الإنسان
العاقل يتفوقون على أبناء سائر الأنواع، لمجرد انتماء البشر إلى نوعهم (النوع
"المتفوق"). إذ لا يوجد نوع "متفوق" أصلًا. والتفكير على خلاف
ذلك لا يجعلك أقل تحيزًا من العنصريين أو المتحيزين جنسيًا.
"إذا كان بإمكانك تبرير القتل
من أجل أكل اللحم، فبإمكانك تبرير أوضاع الأحياء الفقيرة. أنا لا أستطيع تبرير
أيٍّ منهما." — ديك غريغوري (Dick
Gregory)
٤
فلسفة
حقوق الحيوان عادلة.
التفسير:
العدالة هي أسمى مبادئ الأخلاق. فلا ينبغي لنا أن نرتكب الظلم أو نُقرَّه سعيًا
وراء نتائج طيبة، ولا أن ننتهك حقوق القلة كي ينتفع الكثيرون. فعلت العبودية ذلك،
وفعله نظام عمالة الأطفال، وتفعله معظم صور الظلم الاجتماعي. لكن فلسفة حقوق
الحيوان لا تفعل ذلك، إذ إن أسمى مبادئها هو العدالة: لا يحق لأحد أن ينتفع جراء
انتهاك حقوق غيره، سواء أكان ذلك "الغير" إنسانًا أم حيوانًا آخر.
"الأسباب التي تدعو إلى التدخل
القانوني لصالح الأطفال تنطبق بالقدر ذاته على حالة هؤلاء العبيد المنكودين —
الحيوانات (الأخرى)." — جون ستيوارت ميل (John Stuart Mill)
٥
فلسفة
حقوق الحيوان رحيمة.
التفسير:
الحياة الإنسانية الكاملة تستلزم مشاعر التعاطف والإحساس بمعاناة الآخرين — بكلمة
واحدة: الرحمة تجاه ضحايا الظلم، سواء أكانوا بشرًا أم حيوانات. وفلسفة حقوق
الحيوان تدعو إلى فضيلة الرحمة، وقبولها يُعزِّز نموها. وهذه الفلسفة هي، على حد
تعبير لينكولن، "طريق الإنسان الكامل."
"الرحمة في الفعل ربما تكون
الإمكانية المجيدة التي يمكن أن تحمي كوكبنا المزدحم الملوَّث..." — فيكتوريا
موران (Victoria
Moran)
٦
فلسفة
حقوق الحيوان غير أنانية.
التفسير:
تستلزم فلسفة حقوق الحيوان الالتزام بخدمة الضعفاء والمستضعفين، أولئك الذين
يعجزون، سواء أكانوا بشرًا أم حيوانات، عن الدفاع عن أنفسهم أو التعبير عنها،
والذين يحتاجون إلى الحماية من الجشع والقسوة البشرية. وهذه الفلسفة تستلزم هذا
الالتزام لا لأنه يصبُّ في مصلحتنا الذاتية، بل لأنه الواجب الحق. ومن ثَمَّ، فهي
تدعو إلى الخدمة الخالصة من الأنانية وتُعزِّز نموها.
"نحتاج إلى فلسفة أخلاقية
يستعيد فيها مفهوم الحب، الذي نادرًا ما يذكره الفلاسفة اليوم، مكانته المركزية من
جديد." — آيريس مردوك (Iris
Murdoch)
٧
فلسفة
حقوق الحيوان تُحقِّق الذات الفردية.
التفسير:
جميع التقاليد الأخلاقية الكبرى، العلمانية منها والدينية، تؤكد على أهمية أربعة
أشياء: المعرفة، والعدالة، والرحمة، والاستقلالية. وفلسفة حقوق الحيوان ليست
استثناءً. فهذه الفلسفة تُعلِّمنا أن تكون اختياراتنا قائمةً على المعرفة،
ومُعبِّرةً عن الرحمة والعدالة، وصادرةً عن إرادة حرة. وليس يسيرًا بلوغ هذه
الفضائل أو ضبط النزعات الإنسانية نحو الجشع واللامبالاة. غير أن الحياة الإنسانية
الكاملة مستحيلة بدونها. وفلسفة حقوق الحيوان تدعو إلى تحقيق الذات الفردية
وتُعزِّز نموها.
"الإنسانية ليست وصيةً خارجيةً
جامدة، بل دافعٌ حي ينبثق من الداخل؛ ليست تضحيةً بالنفس، بل تحقيقٌ لها." —
هنري سولت (Henry
Salt)
٨
فلسفة
حقوق الحيوان ذات تقدمية اجتماعية.
التفسير:
إن أعظم عائق أمام ازدهار المجتمع الإنساني هو استغلال الحيوانات الأخرى على أيدي
البشر. وهذا صحيح في ما يخص الأنظمة الغذائية غير الصحية، والاعتماد المعتاد على
"نموذج الحيوان الكامل" في العلم، وسائر أشكال استغلال الحيوانات
الأخرى. وهو لا يقل صحةً في ما يتعلق بالتعليم والإعلان، على سبيل المثال، اللذين
يُساعدان على إماتة الوجدان الإنساني وإضعاف استجابته لمتطلبات العقل والنزاهة
والرحمة والعدالة. وبكل هذه السبل وأكثر، تظل الأمم في تخلف عميق لإخفاقها في خدمة
مصالح مواطنيها الحقيقية.
"عظمة الأمة وتقدمها الأخلاقي
يمكن قياسهما بالطريقة التي تعامل بها حيواناتها." — المهاتما غاندي (Mahatma Gandhi)
٩
فلسفة
حقوق الحيوان حكيمة بيئيًا.
التفسير:
يمكن إرجاع الأسباب الرئيسية للتدهور البيئي، بما فيها تأثير الاحتباس الحراري
وتلوث المياه وفقدان الأراضي الصالحة للزراعة والتربة السطحية، إلى استغلال
الحيوانات. ويتكرر هذا النمط ذاته عبر الطيف الواسع للمشكلات البيئية، من الأمطار
الحمضية وإلقاء النفايات السامة في المحيطات، إلى تلوث الهواء وتدمير الموائل
الطبيعية. وفي جميع هذه الحالات، فإن العمل على حماية الحيوانات المتضررة، التي هي
في نهاية المطاف أول من يعاني ويموت جراء هذه الأمراض البيئية، هو عملٌ لحماية
الأرض.
"ما لم نُرسِّخ إحساسًا عميقًا
بالقرابة بين نوعنا وتلك الكائنات الفانية التي تُشاركنا شمس الحياة وظلها على هذا
الكوكب المعذَّب، فلا أملَ للأنواع الأخرى، ولا أملَ للبيئة، ولا أملَ
لأنفسنا." — جون وين-تايسون (Jon Wynne-Tyson)
١٠
فلسفة
حقوق الحيوان محبةٌ للسلام.
التفسير:
المطلب الجوهري لفلسفة حقوق الحيوان هو معاملة البشر والحيوانات الأخرى باحترام.
وهذا يستلزم ألا نُلحق الأذى بأحد لمجرد أن نجني نحن أو غيرنا منفعةً من وراء ذلك.
ومن ثَمَّ، فإن هذه الفلسفة تعارض العدوان العسكري معارضةً تامة، وهي فلسفة سلام.
بيد أنها فلسفة تمدُّ مطلب السلام إلى ما وراء حدود نوعنا. إذ ثمة حربٌ تُشَن كل
يوم على ملايين لا تُحصى من الحيوانات غير البشرية. فالوقوف الحقيقي في صف السلام
هو الوقوف بحزم في وجه التمييز بين الأنواع. ومن قبيل التمني الواهم الاعتقاد بأنه
يمكن أن يسود "السلام في العالم" إذا أخفقنا في إرساء السلام في تعاملنا
مع الحيوانات الأخرى.
"إذا أنقذت معجزةٌ ما الأرضَ في
خضم نضالنا من الكارثة النووية، فإن العدالة وحدها تجاه كل كائن حي هي التي ستُنقذ
البشرية." — أليس ووكر (Alice
Walker)
١٠
أسباب ضد حقوق الحيوان وردودها
١
أنتم تُسوُّون بين الحيوانات والبشر،
في حين أن البشر والحيوانات يختلفون اختلافًا جوهريًا في الواقع.
الرد: نحن لا نقول إن البشر
والحيوانات الأخرى متساوون في كل شيء. فنحن لا نقول، على سبيل المثال، إن الكلاب
والقطط تستطيع إجراء حسابات التفاضل والتكامل، أو إن الخنازير والأبقار تستمتع
بالشعر. ما نقوله هو أن كثيرًا من الحيوانات الأخرى، شأنها شأن البشر، كائناتٌ
نفسية تمتلك رفاهيتها التجريبية الخاصة. فنحن وهم متماثلون بهذا المعنى. ومن
ثَمَّ، فنحن وهم متساوون بهذا المعنى، على الرغم من اختلافاتنا الكثيرة.
"جميع الحجج الرامية إلى إثبات تفوق
الإنسان لا تستطيع تحطيم هذه الحقيقة الصلبة: في المعاناة، الحيوانات أنداد
لنا." — بيتر سينغر
(Peter Singer)
٢
أنتم تقولون إن كل إنسان وكل حيوان
آخر لهما الحقوق ذاتها، وهذا ضربٌ من العبث. فلا يمكن أن يكون للدجاج حق التصويت،
ولا للخنازير حق التعليم العالي.
الرد: نحن لا نقول إن البشر
والحيوانات الأخرى يتمتعون دائمًا بالحقوق ذاتها. بل حتى جميع البشر لا يتمتعون
بالحقوق ذاتها. فالأشخاص ذوو الإعاقات الذهنية الشديدة، على سبيل المثال، لا
يتمتعون بحق التعليم العالي. ما نقوله هو أن هؤلاء وسائر البشر يشتركون مع الحيوانات
الأخرى في حق أخلاقي أساسي واحد، وهو الحق في أن يُعامَلوا باحترام.
"إنه لمصير كل حقيقة أن تكون هدفًا
للسخرية حين يُجاهر بها لأول مرة." — ألبرت شفايتزر (Albert Schweitzer)
٣
إذا كانت للحيوانات حقوق، فللخضروات
حقوق أيضًا، وهذا ضربٌ من العبث.
الرد: كثيرٌ من الحيوانات تشبهنا:
فلها رفاهيتها النفسية الخاصة. ومن ثَمَّ، فلهذه الحيوانات، شأنها شأننا، حق
المعاملة باحترام. في المقابل، لا يوجد لدينا أي مسوِّغ، وبالتأكيد لا مسوِّغ
علمي، للاعتقاد بأن الجزر والطماطم، مثلًا، تمتلك حضورًا نفسيًا في العالم. فالجزر
والطماطم، كسائر الخضروات، تفتقر إلى أي شيء يشبه الدماغ أو الجهاز العصبي
المركزي. ولهذا الافتقار، لا مسوِّغ للنظر إلى الخضروات بوصفها كائنات نفسية تمتلك
القدرة على تجربة اللذة والألم، مثلًا. ولهذه الأسباب يمكن للمرء أن يُقرَّ الحقوق
للحيوانات عقلانيًا وينفيها عن الخضروات.
"حجة حقوق الحيوان لا تعتمد إلا على
الحاجة إلى القدرة على الإحساس." — أندرو لينزي (Andrew Linzey)
٤
أين ترسمون الحد الفاصل؟ فإذا كانت
للرئيسيات والقوارض حقوق، كان للحلازين والأميبا حقوق كذلك، وهذا ضربٌ من العبث.
الرد: كثيرًا ما لا يكون من اليسير
معرفة أين بالضبط يُرسَم "الحد الفاصل". فلا يمكننا، على سبيل المثال،
أن نحدد بدقة كم يجب أن يبلغ المرء من العمر كي يُعدَّ كبيرًا، أو كم يجب أن يبلغ
من الطول كي يُعدَّ طويلًا. ومع ذلك يمكننا القول بيقين إن من بلغ الثامنة
والثمانين من عمره كبير في السن، وإن من بلغ طوله ٢٫١٦ متر طويل القامة. وبالمثل،
لا يمكننا تحديد موضع الحد الفاصل بدقة حين يتعلق الأمر بالحيوانات ذات الحياة النفسية.
غير أننا نستطيع القول بيقين مطلق إنه أينما رُسِم هذا الحد استنادًا إلى معايير
علمية، فإن الرئيسيات والقوارض تقع على جانبه (الجانب النفسي)، في حين تقع
الحلازين والأميبا على الجانب الآخر، وهذا لا يعني أن بمقدورنا إتلافها دون تفكير.
"في علاقات البشر مع الحيوانات، ومع
الأزهار، ومع سائر مخلوقات الكون، ثمة منظومة أخلاقية كبرى كاملة بالكاد رأت النور
بعد." — فيكتور هوغو
(Victor Hugo)
٥
لكن من المؤكد أن ثمة حيوانات تستطيع
تجربة الألم غير أنها تفتقر إلى هوية نفسية موحدة. فبما أن هذه الحيوانات لا تمتلك
الحق في المعاملة باحترام، أفلا تعني فلسفة حقوق الحيوان أن بمقدورنا معاملتها بأي
أسلوب نشاء؟
الرد: صحيحٌ أن بعض الحيوانات،
كالروبيان والمحار، قد تكون قادرةً على تجربة الألم غير أنها تفتقر إلى معظم
القدرات النفسية الأخرى. وإذا صح ذلك، فستفتقر إلى بعض الحقوق التي تتمتع بها
الحيوانات الأخرى. بيد أنه لا مسوِّغ أخلاقي لإلحاق الألم بأي كائن دون ضرورة.
وبما أنه ليس من الضروري أن يأكل البشر الروبيان والمحار وما يشبهها أو يستغلها
بأي صورة أخرى، فلا يوجد مسوِّغ أخلاقي لإلحاق الألم بها، الذي يلازم هذا
الاستخدام حتمًا.
"السؤال ليس 'هل تستطيع التفكير؟' ولا
'هل تستطيع الكلام؟' بل 'هل تستطيع المعاناة؟'" — جيريمي بنثام (Jeremy Bentham)
٦
الحيوانات لا تحترم حقوقنا، فليس على
البشر إذن أي التزام باحترام حقوقها.
الرد: ثمة حالات كثيرة يعجز فيها
الفرد الذي يتمتع بحقوق عن احترام حقوق الآخرين. وهذا ينطبق على الرضَّع والأطفال
الصغار والبشر المصابين بضعف ذهني أو اضطراب نفسي. وفي هذه الحالات لا نقول إنه من
المقبول تمامًا معاملتهم بعدم احترام بحجة أنهم لا يحترمون حقوقنا. بل على العكس،
نُقرُّ بأن واجبنا يقتضي معاملتهم باحترام، وإن لم يكن عليهم هم أي واجب مماثل
تجاهنا.
وما ينطبق على حالات الرضَّع والأطفال
وسائر البشر المذكورين، ينطبق بالقدر ذاته على حالات الحيوانات الأخرى. فنعم، هذه
الحيوانات لا يقع عليها واجب احترام حقوقنا. غير أن هذا لا يمحو التزامنا باحترام
حقوقها ولا يُقلِّل منه.
"سيأتي الوقت الذي سينظر فيه أمثالي
إلى قتل الحيوانات (الأخرى) كما ينظرون الآن إلى قتل البشر." — ليوناردو دا
فينشي
(Leonardo Da Vinci)
٧
منح الله البشر السيادة على الحيوانات
الأخرى، وهذا هو السبب في أن بمقدورنا أن نفعل بها ما نشاء، بما في ذلك أكلها.
الرد: ليست كل الأديان تُصوِّر البشر
على أنهم يمتلكون "سيادة" على الحيوانات الأخرى، وحتى في الأديان التي
تفعل ذلك، ينبغي فهم مفهوم "السيادة" بوصفه وصايةً نكران فيها الذات لا
سلطةً أنانية. فعلى البشر أن يُحبُّوا كل الخليقة كما أحبها الله حين خلقها. ولو
أحببنا الحيوانات اليوم كما أحبها البشر في جنة عدن، لما أكلناها. والذين يحترمون
حقوق الحيوانات قد انطلقوا في رحلة العودة إلى عدن، رحلة العودة إلى المحبة الحقة
لخليقة الله.
"وقال الله: هأنذا قد أعطيتكم كل بقل
يُبذِّر بذرًا على وجه كل الأرض، وكل شجر فيه ثمر شجر يُبذِّر بذرًا، لكم يكون
طعامًا." — التكوين ١: ٢٩
(Genesis 1:29)
٨
البشر وحدهم يمتلكون أرواحًا خالدة،
وهذا يمنحنا الحق في معاملة الحيوانات الأخرى كما نشاء.
الرد: كثيرٌ من الأديان تُعلِّم أن
جميع الحيوانات، لا البشر وحدهم، تمتلك أرواحًا خالدة. ومع ذلك، حتى لو كان البشر
وحدهم خالدين، فلن يُثبت ذلك إلا أننا نحيا إلى الأبد في حين لا تفعل الحيوانات
الأخرى. وهذه الحقيقة، إن صحت، من شأنها أن تُضاعف التزامنا لا أن تُقلِّله، بأن
تكون هذه الحياة الوحيدة التي تحياها الحيوانات الأخرى أطول ما يمكن وأجود ما يكون.
"لا دين بلا محبة، وقد يتحدث الناس عن
دينهم ما شاؤوا، لكن إن لم يُعلِّمهم أن يكونوا طيبين ورحيمين مع الحيوانات الأخرى
كما مع البشر، فكل ذلك ليس إلا زيفًا وادعاءً." — آنا سيويل (Anna Sewell)
٩
إذا احترمنا حقوق الحيوانات ولم
نأكلها أو نستغلها بأي صورة أخرى، فماذا يُفترض أن نفعل بها جميعًا؟ في وقت قصير
ستجتاح شوارعنا ومنازلنا.
الرد: يتراوح عدد الحيوانات التي
تُربَّى وتُذبح من أجل الغذاء كل عام في الولايات المتحدة وحدها بين أربعة وخمسة
مليارات حيوان [ارتفع هذا العدد إلى أكثر من تسعة مليارات حيوان بري بحلول عام
٢٠٢٣؛ وعلى الصعيد العالمي يُذبح من الحيوانات البرية أكثر من خمسة وثمانين مليار
حيوان سنويًا لأجل لحومها، أي ما يزيد على ألفين وخمسمائة حيوان في الثانية
الواحدة]. والسبب وراء هذا العدد المذهل بسيط: ثمة مستهلكون يلتهمون كميات ضخمة
جدًا من لحوم الحيوانات، فيُقابل العرض الطلب.
غير أنه حين تنتصر فلسفة حقوق الحيوان
ويتحول الناس إلى النباتية، فلن نخشى أن تجتاح مليارات الأبقار والخنازير شوارع
مدننا أو غرف معيشتنا. إذ بمجرد زوال الحافز المالي لتربية مليارات هذه الحيوانات،
لن تكون ثمة مليارات منها ببساطة. وينطبق المنطق ذاته على حالات أخرى، كحالة
الحيوانات المُربَّاة لأغراض البحث العلمي. فحين تسود فلسفة حقوق الحيوان ويتوقف
استخدام هذه الحيوانات، يتوقف معه الحافز المالي لتربية الملايين منها.
"أشد الذنوب وطأةً تجاه رفاقنا من
المخلوقات ليس كرهها، بل اللامبالاة حيالها. فتلك هي جوهر اللاإنسانية." —
جورج برنارد شو
(George Bernard Shaw)
١٠
حتى لو كانت للحيوانات الأخرى حقوق
أخلاقية وينبغي حمايتها، فثمة أمور أكثر أهمية تستدعي اهتمامنا، كالجوع في العالم
وإساءة معاملة الأطفال، والفصل العنصري، والمخدرات، والعنف ضد المرأة، ومحنة
المشردين. فلنعالج هذه المشكلات أولًا، ثم نُفكِّر في حقوق الحيوان.
الرد: حركة حقوق الحيوان جزءٌ لا
يتجزأ من حركة حقوق الإنسان، وليست منفصلة عنها. فالفلسفة ذاتها التي تُصرُّ على
حقوق الحيوانات غير البشرية وتدافع عنها تُصرُّ كذلك على حقوق الإنسان وتدافع عنها.
وعلى الصعيد العملي، الخيار الذي
يواجهه المتأملون ليس بين مساعدة البشر ومساعدة الحيوانات الأخرى، إذ يمكن الجمع
بين الأمرين. فالناس لا يحتاجون إلى أكل الحيوانات كي يساعدوا المشردين، تمامًا
كما لا يحتاجون إلى استخدام مستحضرات تجميل جُرِّبت على الحيوانات كي يساعدوا
الأطفال. بل إن من يحترمون حقوق الحيوانات غير البشرية بالامتناع عن أكلها سيكونون
أكثر صحةً، وبالتالي أقدر على مساعدة البشر بصورة أجدى وأنفع.
"أنا مع حقوق الحيوان كما أنا مع حقوق
الإنسان. هذا هو طريق الإنسان الكامل." — أبراهام لينكولن (Abraham Lincoln)
--------
تعليقات
المحررين
نُشر هذا الكتيِّب في الأصل ووزَّعته
مؤسسة الثقافة والحيوانات
(Culture & Animals Foundation). لمزيد من المعلومات حول أعمالهم، تفضَّل بزيارة cultureandanimals.org.
الملاحظات بين القوسين المعقوفين من
المحرر.
الاقتباسات المنسوبة إلى مشاهير
الأشخاص مُثبَتة كما وردت في النص الأصلي، وإن كان لا يمكن التحقق من صحة كثير
منها.
يُشير
ديك غريغوري بمصطلح "الغيتو" إلى الأحياء الفقيرة المهمَّشة في المدن
الأمريكية، التي نشأت نتيجة التمييز العنصري الممنهج ضد السكان من أصول أفريقية.
ويستخدم هذا المصطلح هنا بوصفه مثالًا على الظروف المعيشية القاسية التي يتعرض لها
ضحايا التمييز، أيًّا كان شكله أو سياقه.
حين
يستشهد البروفيسور توم ريغان بظلم "خدمة السود للبيض"، فإنه يستحضر
تاريخًا بعينه في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث خضع أبناء القارة الأفريقية
للعبودية على أيدي أبناء الأصول الأوروبية على مدى قرون. غير أنه يمكن استنتاج
بصورة معقولة أن حجته تتخطى هذا السياق التاريخي المحدد لتشمل العنصرية بجميع
أشكالها، وبشكل أوسع، كل تمييز — أي المعاملة المجحفة دون مسوِّغ — سواء أكان
قائمًا على الانتماء العرقي أم الطائفي أم الطبقي أم أي سمة اعتباطية أخرى.
يستشهد
البروفيسور ريغان بالإنجيل، إذ نُشر هذا الكتيِّب في الأصل في الولايات المتحدة
الأمريكية في ثمانينيات القرن الماضي. والقرآن الكريم يُقدِّم في آياتٍ عدة
توجيهًا يُشير إلى أن الحيوانات ليست مجرد موارد طبيعية، بل كائناتٌ قادرة على
الإحساس، تمتلك حياتها الخاصة ومجتمعاتها، وتستحق منا الاعتبار الأخلاقي. ومن ذلك:
وَمَا
مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ
أَمْثَالُكُم
(القرآن
الكريم، سورة الأنعام: ٣٨)
وَالْأَرْضَ
وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ
(القرآن
الكريم، سورة الرحمن: ١٠)
نبذة عن المؤلف
كان
الدكتور توم ريغان رجلًا طيب القلب كريم النفس، وصديقًا حميمًا للكثيرين. فيلسوفٌ
مهنةً ورسالةً، جمع بين الصرامة الأكاديمية والاهتمام المُدقِّق بالتفاصيل،
والحماس الذي لا يقاوم في قناعته الأخلاقية. وقد غدت حياته وأعماله البوصلة التي
وجد بها كثيرٌ من الناس اتجاههم، وستظل مصدر إلهام للأجيال القادمة. وفي شبابه،
غيَّر لقاءٌ أدبي مع المهاتما غاندي مسار حياته تغييرًا جذريًا، فكان ذلك بداية
رحلته من آكل للحوم إلى نباتي صارم، ثم إلى أحد أكثر المدافعين تأثيرًا عن
الحيوانات غير البشرية في جيله.
وُلد
توم ريغان في بيتسبرغ بولاية بنسلفانيا في الثامن والعشرين من نوفمبر عام ١٩٣٨،
وأمضى أربعةً وثلاثين عامًا يُدرِّس الفلسفة في جامعة ولاية كارولينا الشمالية.
وكتب أكثر من عشرين كتابًا، من بينها الحجة من أجل حقوق الحيوان (The Case for Animal Rights، ١٩٨٣)، فضلًا عن مئات المقالات الأكاديمية التي طوَّر فيها الأفكار
المُشار إليها في هذا النص بتفصيل بالغ ومهارة عالية. ونُشرت سيرته الذاتية في
جزأين بعنوان الطائر في القفص: لمحة من حياتي (The Bird in the Cage: A Glimpse of My Life) في
المجلد الثاني من مجلة بين الأنواع (Between the Species) عام
١٩٨٦. وعبر محاضرات لا تُحصى في شتى أرجاء المعمورة، أعان الجماهير على النظر إلى
الأبقار والخنازير والدجاج والأغنام والماعز وسائر الحيوانات غير البشرية بوصفها
كائنات فريدة لها شخصيتها المميزة، لا تقل قيمةً عنك أو عني. وتوفي في مدينة رالي
بولاية كارولينا الشمالية في السابع عشر من فبراير عام ٢٠١٧.
د. راينر إيبرت (Dr. Rainer Ebert)
هيوستن، الولايات المتحدة
الأمريكية
كانون الأوّل ٢٠٢٥
خاتمة
حقوق
الحيوان
بالنسبة
لي شخصيًا، فإن نهج ريغان القائم على الحقوق أمرٌ بالغ الأهمية. فالحقوق الأخلاقية
(الأفكار) والحقوق القانونية (القوانين) تُشيِّد معًا سياجًا واقيًا حول كل فرد.
يُحظر على الآخرين هدم هذا السياج، مهما كان ما فعلته، كما وصف ريغان في كتابه الأقفاص
الفارغة (Empty Cages). فكِّر
في أشد الناس شرًا في خيالك، كهتلر مثلًا. كان سيُحظر قتله بموجب حقوق الإنسان.
نعم، كان يجب سجنه مدى الحياة لحماية الآخرين. إن فكرة حقوق الإنسان، التي ترسَّخت
بصورة راسخة بعد الحرب العالمية الثانية، على الأقل من الناحية النظرية وكثيرًا ما
يكون ذلك من الناحية العملية أيضًا، ضرورية لبقاء الحضارة الحديثة. وأعني
بالحضارة: التعايش السلمي والقيم الديمقراطية؛ النقاش، نعم؛ الاختلاف في الرأي،
نعم؛ الاختطاف، والتعذيب، والعبودية، والإعدام الميداني، والاغتيالات، وأحكام
الإعدام، كل هذا: لا.
إن
فكرة حقوق الحيوان، بمعنى رفضها لكل ذبح والمطالبة بالنباتية لا بدافع الرحمة
الشخصية فحسب، بل بوصفها مطلبًا سياسيًا، مبنية على أساس حقوق الإنسان. فحقوق
الحيوان، بحكم تعريفها، تشمل حقوق الإنسان.
ثمة
أفكار أخرى ذات صلة تطالب باحترام الحيوانات والنباتية. أنا شخصيًا أجدها أقل
فائدة. يقصد مصطلح "تحرير الحيوان" التعبير عن رفضنا لقهر الحيوانات
واستغلالها، لا أننا نقترح، كما افترض أحد أصدقائي المذعورين، أن نفتح كل قفص في
حديقة الحيوانات ونتفرج على النمور والتماسيح وهي تقتل الجميع. فـ"تحرير
الحيوان" فكرةٌ من أفكار التغيير الاجتماعي.
والجدير
بالذكر أن النهج النفعي لبيتر سينغر، الذي قدَّمه في كتابه تحرير الحيوان (Animal Liberation)،
يُجيز بعض أشكال استغلال الحيوانات إذا كانت نافعة للكثيرين. وهذا يتعارض مع حقوق
الحيوان. وبالمثل، فإن فكرة رفض "التمييز على أساس النوع"، أي التمييز
ضد الحيوانات، لأنه ظالم، فكرةٌ منطقية. غير أنها لا تُفيد إذا كنا نعامل الجميع
بسوء، وإذا لم يكن لأحد حقوق.
رحلة
إلى المجهول؟
إذا
وجدت حجج ريغان مقنعة وقررت دعم حقوق الحيوان، فإن الخطوة المنطقية التالية هي أن
تصبح نباتيًا، أو بالأحرى نباتيًا صارمًا. بوصفنا مؤيدين لحقوق الحيوان ونباتيين،
نسير في أرض مثيرة للاهتمام. الأرض صلبة تحت أقدامنا. يمكننا الاطمئنان إلى أن
الأنظمة الغذائية النباتية والنباتية الصارمة يمكن أن تكون صحية وآمنة. غير أننا
نسير على حواف أرض مُستكشَفة إلى حد بعيد، نخطو أحيانًا نحو المجهول. لا توجد حتى
الآن دولة نباتية، فضلًا عن دولة نباتية صارمة، على وجه الأرض. حقوق الحيوان مقنعة
أخلاقيًا لدى كثيرين. وهي ممكنة قانونيًا أيضًا، لكن فقط إذا وافقت أغلبية الناس
على رأينا. نحن نتحدث عن يوتوبيا قابلة للتحقق: نعرف كيف نبنيها، لكنها لا تزال
رؤيوية.
لكي
نغيِّر وجهتنا المحتملة، علينا أن ندرك أين نحن الآن. الأمر كأننا ندخل أرضًا
مجهولة أو "غابة" بالمعنى المجازي. قد يكون هذا خطرًا. لماذا؟ لأن
التغيير الاجتماعي يحمل معه مخاطر وعواقب غير متوقعة. وهذه ليست مشكلة حكرًا على
"حركة" النباتية الصارمة أو حقوق الحيوان. إنها درسٌ مؤلم تعلمناه من
النضال من أجل الحقوق المدنية وحقوق المرأة. غير أن حركة حقوق الحيوان تتميز
بخصوصية. فباستثناء بعض الأديان ذات القواعد الغذائية، فهي أول حركة اجتماعية
تطالبنا بتغيير نظامنا الغذائي. والمهم أنه على مدى عقود طويلة، انتقل الملايين
بالفعل إلى هذه الأرض النباتية الصارمة "المجهولة". بل إن هذه الأرض
النباتية الصارمة زحفت وتتسع لتشمل أراضي كانت في السابق من نصيب آكلي اللحوم.
بيد
أن كثيرًا من الأخطاء ارتُكبت، وكثيرًا من الدروس اكتُسبت. فلماذا لا نستخدم هذه
"المعرفة الداخلية" ونجعل الرحلة أكثر راحة؟ يُقال، وأنا أوافق على ذلك،
إن ثمة مجالين رئيسيين تحدث فيهما المشكلات في الغالب: (١) التغذية، و(٢) الحياة
الاجتماعية.
(١)
التغذية
أقدم
الكتب التي جمعت بين أفكار حقوق الحيوان والنباتية تعود إلى أواخر القرن التاسع
عشر، وبالتحديد كتاب هنري سالت حقوق الحيوانات (Animals’
Rights) الصادر عام ١٨٩٢. في ذلك الوقت، كان علم التغذية
في بداياته الأولى. اكتُشفت الفيتامينات الضرورية للإنسان في النصف الأول من القرن
العشرين. أُسِّست أول منظمة تُعرِّف نفسها بأنها نباتية صارمة، وهي جمعية
النباتيين الصارمين في إنجلترا، عام ١٩٤٤. وبعد نحو أربع سنوات، عُزل آخر فيتامين
تم اكتشافه، وهو فيتامين ب١٢. وقد تكررت كثير من أفكار التغذية من كتب النباتية
الكلاسيكية في القرن التاسع عشر في حركة النباتية حتى يومنا هذا.
غير
أن علم التغذية كشف في غضون ذلك عن عدة مشكلات محتملة وحلولها. دعونا نستفيد من
هذه المعرفة.
بوصفي
عالمًا في التغذية ونباتيًا صارمًا منذ أمد بعيد، أوصي بما يلي. لنسمِّها القواعد
الذهبية الست لتغذية النباتي الصارم:
١. بدلًا من المنتجات الحيوانية، تناول
البقوليات والأطعمة المصنوعة منها (مثل التوفو وحليب الصويا).
- البقوليات
مصدر ممتاز للبروتين والحديد والزنك.
٢.
تناول مكملًا لفيتامين ب١٢، إلا إذا كنت
تستهلك أطعمة مدعَّمة بالب١٢ يوميًا أو ما يقارب ذلك.
- تناول
نحو ١٠ إلى ٥٠ ميكروغرام يوميًا، أو نحو ٢٠٠٠ ميكروغرام مرة واحدة أسبوعيًا. ٣.
احصل على فيتامين د الكافي من مكمل غذائي
(نحو ٢٠ إلى ٢٥ ميكروغرام يوميًا) أو من أشعة الشمس.
٤.
احصل على اليود الكافي من الملح المعالَج
باليود، أو الأعشاب البحرية (مثل النوري والواكامي)، أو مكمل غذائي (١٠٠ إلى
١٥٠ ميكروغرام يوميًا). ٥. حاول تناول مصدر لأحماض
أوميغا-٣ الدهنية بانتظام، مثل زيت بذر الكتان، وزيت الكانولا، والجوز، وبذور
الكتان المطحونة أو بذور الشيا المطحونة.
٦.
تناول أطعمة غنية بالكالسيوم يوميًا، مثل
الأطعمة المدعَّمة بالكالسيوم، والملفوف الصيني، والبوك تشوي، والبروكلي.
ملاحظات:
- يمكن
أن يكون مكمل المغذيات المتعددة للنباتيين الصارمين عمليًا لأنه يحتوي على
فيتامين ب١٢ وفيتامين د واليود.
- فيتامين
ب١٢ هو الأهم. ينبغي لمعظم النباتيين الذين يتناولون البيض ومنتجات الألبان
أيضًا تناول مكمل ب١٢.
- يشتمل
النظام الغذائي الصحي على كميات وفيرة من الفواكه والخضروات والحبوب الكاملة
والبقوليات، فضلًا عن المكسرات والبذور والزيوت النباتية الصحية.
- يمكنك
العثور على مزيد من المعلومات على ivu.org أو vegansociety.com.
(٢)
الحياة الاجتماعية
حين
سُئل دونالد واتسون، الرجل الذي ابتكر كلمة
"vegan"، "ما
الأصعب بالنسبة إليك في كونك نباتيًا صارمًا؟"، أجاب: "حسنًا، أظن أنه
الجانب الاجتماعي."
حين
تصبح نباتيًا، وبخاصة نباتيًا صارمًا، قد تصطدم بـ"مشكلات" مع آكلي
اللحوم والنباتيين الصارمين على حد سواء. بعض آكلي اللحوم سيكونون داعمين. لكن
آخرين قد يغضبون أو يشعرون بالإهانة أو الانزعاج، أو يتخذون موقفًا
"دفاعيًا". بل قد يحاول بعضهم إلقاء اللوم على نظامك الغذائي النباتي
الصارم في كل مشكلة صحية صغيرة تواجهها.
كتب
دونالد واتسون عام ١٩٤٤: "يمكننا أن نكون على يقين من أنه لو ظهرت حبة بثرة
واحدة لتشويه جمال مظهرنا الجسدي، فسيرى العالم أن ذلك يعود كليًا إلى غبائنا نحن
لأننا لم نتناول 'الطعام الصحيح'."
إن
التعرف على نباتيين ونباتيين صارمين ومؤيدين لحقوق الحيوان أمر رائع. يمكنهم تبادل
النصائح وتقديم الدعم المعنوي، وكثيرًا ما يكونون أشخاصًا رائعين. غير أننا نتحدث
هنا عن مجموعة متنوعة حقًا. ومن المرجح أن تلتقي ببعض النباتيين الصارمين وتجد بعض
آرائهم أو سماتهم الشخصية "مثيرة للاهتمام" بعض الشيء، كما يقول
الإنجليز، أو "مرعبة"، كما نقول نحن في ألمانيا.
من
المعروف أن التعامل مع البشر أمرٌ صعب. وكونك نباتيًا أو نباتيًا صارمًا أو مؤيدًا
لحقوق الحيوان قد يزيد الأمور تعقيدًا. لكن اتباع بعض القواعد الأساسية يمكن أن
يُيسِّر الأمور. إليك بعض النصائح. لنسمِّها القواعد الذهبية الأربع للحفاظ على
الصحة النفسية:
١. لا تتحول إلى واعظ. جرَّب ذلك ملايين
النباتيين الصارمين وفشلوا. اختر "التعليم بالقدوة"، واسعَ إلى أن تكون
"نباتيًا سعيدًا"، واستخدم "النشاط الودي". تجنَّب
"النشاط الإلزامي". ٢. اعرف حدودك. اطلب أن تُحترَم. احترم
الآخرين. تقبَّل اختلافاتكم. لم يُسمَّ "التسامح" بهذا الاسم لأنه أمر
هيِّن. ٣. التقِ بنباتيين ونباتيين صارمين آخرين، فهم
كثيرًا ما يستطيعون مساعدتك. لكن لا تتوقع أن يكونوا كاملين أو "مارِدًا من
قمقم". ٤. اعتنِ بصحتك. لا تكن متعصبًا. لا شيء في
الحياة متسق بنسبة ١٠٠٪.
ما
الخلاصة؟
من
حيث التغذية، يمكن أن تكون الأنظمة الغذائية النباتية الصارمة صحية للغاية، لكن
النظام الغذائي النباتي الصارم بطبيعة الحال لا يعني تلقائيًا أنه صحي. العوامل
الرئيسية هي التأكد من حصولك على المغذيات الأساسية، وبخاصة فيتامين ب١٢، وأن
تمحور نظامك الغذائي بصورة رئيسية حول "الأطعمة الطبيعية الكاملة" قدر
الإمكان. سؤال قديم لا يزال يطرح أحيانًا هو: "هل الإنسان آكل لحوم من
الناحية التشريحية؟" لكن من منظور علم وبائيات التغذية الحديث، أي دراسات
التغذية على البشر، فهذا ليس سؤالًا ذا صلة على الإطلاق. فضلًا عن أن هذا السؤال
مُبسَّط تبسيطًا مفرطًا. السؤال الذي ينبغي طرحه هو: ماذا تُظهر الدراسات المُجراة
على النباتيين الصارمين؟ تُظهر أن الأنظمة الغذائية النباتية الصارمة يمكن أن تكون
صحية للغاية.
من
حيث الجانب الاجتماعي، لم يكن من السهل في أي وقت مضى أن تكون نباتيًا صارمًا بهذه
السهولة واليسر والقبول الاجتماعي الواسع كما هو الحال اليوم. في رأيي، يمكن أن
يكون قبول "مفارقة أخلاقية" استراتيجيةً مفيدة: من ناحية، المطالبة
بحقوق الحيوان، والإقرار بأن حقوق الحيوان تستلزم النباتية، وأن النباتية المتسقة
تعني النباتية الصارمة؛ ومن ناحية أخرى، التمسك بالرأي القائل، أو التصرف كأنك
تتمسك به، بأن لكل شخص الحق في اختيار نظامه الغذائي. قد يبدو هذا متناقضًا من
الناحية المنطقية. قد يبدو كأنك تطالب سياسيًا بحقوق الحيوان بينما تتسامح في
الوقت ذاته بسخاء مع انتهاك تلك الحقوق. لكنها استراتيجية يمكن أن تساعد آكلي
اللحوم على "تقبُّل" آرائك، مما يُيسِّر حياتك، ويمكن أن تساعدك، بتصرف
من قول كولين باتريك غودرو، على أن تكون "نباتيًا صارمًا سعيدًا". كما
يمكن أن تساعد الحيوانات، لأنها تبني جسورًا نحو حقوق الحيوان عوضًا عن بناء جدران.
أنا
شخصيًا أحب هذا النهج. لا أُحبِّذ النهج الطائفي، والتضحية بالنفس، وتعذيب الذات،
والإدمان على العمل، ونهج الشهيد. وعلى حد قول ميفيستوفيليس في مسرحية غوته من
أوائل القرن التاسع عشر فاوست (Faust): "لا
يجب على المرء أن يُعذِّب نفسه بقلق مُفرط." وهذا هو ميفيستوفيليس، نوعٌ من
الشياطين والروح العدمية، من يتكلم. وإذا كنت لا تُحبِّذ الشياطين، فاتبع دونالد
واتسون. في سن الرابعة والتسعين، حين سُئل عن إنجازاته، قال: "كوني متعة
الحياة، بشرط ألا أُلحق الأذى بنفسي أو بالآخرين أو بالحيوانات أو بهذا الكوكب."
د. كريستيان كودر (Dr. Christian Koeder)
إيلوانغن، ألمانيا
شباط ٢٠٢٦
حقوق النشر
حقوق النشر © ٢٠٢٦ (CC BY 4.0) هذا العمل مرخَّص بموجب رخصة المشاع
الإبداعي — النسب ٤.٠ الدولية.
أنت حرٌّ في:
·
المشاركة
نسخ
المادة وإعادة توزيعها بأي وسيلة أو تنسيق
·
التكييف
إعادة
المزج والتحويل والبناء على المادة لأي غرض، بما في ذلك الأغراض التجارية
بموجب الشروط التالية:
·
النسب
يجب
عليك إعطاء الإسناد المناسب، وتوفير رابط للرخصة، والإشارة إلى ما إذا كانت قد
أُجريت تعديلات. يمكنك القيام بذلك بأي طريقة معقولة، لكن لا بأي طريقة توحي بأن
المرخِّص يُؤيِّد استخدامك.
********
Arabic, العربية